الأربعاء، 12 أكتوبر 2011

هل القراءة الكلاسيكية ستقضي نحبها في عصر الصورة والنص الفائق الإلكتروني ؟


بقلم: د. نصير بوعلي *

هل أدت حركة الصورة وتلاحق اكتشافاتها  على المستوى العلمي ومخترعاتها  وأثرها على الإنسان إلى ضعف وانحصار في المجال  المكتوب ؟ فقد ظهر التلفزيون وقيل سيتوقف الكتاب والآن مع ظهور الإنترنت والنص الفائق يقال نفس الكلام، فكلما ظهرت وسيلة تهتم بمجال الصورة تداعى الكلام إلى المكتوب. بالتأكيد يتأثر المكتوب كلما تطورت الصورة ، فوجود ميديا أخرى جديدة ومتنوعة ومبهرة وسهلة وبضغطة زر  تتحكم فيها ونحصل عليها ، وليس فيها ذلك العناء  الذي تبذله في الحصول على الكتاب . ورغم ما يقال فالقراءة مازالت ثابتة  ومازال الكتاب سيد الثقافة على الإطلاق ، ولعل العودة إلى الوراء لفحص هذه العلاقة بين المقروء والصورة يبين كيف أن الكتاب يخرج دائما منتصرا بخبرته في التدوين والتخزين والقراءة الدالة على أي جديد يقوم باضطهاد العين .
إن المتتبع لتاريخ وسائل الاتصال وتطورها يجد أنه رغم تعددها وملاحقتها الدائمة والمستمرة للتقدم التكنولوجي فان اختراع إحداها وظهورها في الأسواق وتداولها بين الناس لم يقض بالضرورة على الوسائل السابقة لها. ويبدو واضحا أكثر هذا التكامل في الوسائل التقليدية للاتصال مقارنة بالوسائل الحديثة و المعاصرة والتي يبدو أنها بقدر ما تتكامل، تتنافر أيضا على مستويات أخرى كعادات التعرض لها من قبل الجمهور أو ما يسمى مساحات الاستخدام. ولنأخذ من وسائل الاتصال التقليدية الأمثلة الآتية :
إن الملصقات سواء أكانت مكتوبة باليد أو مطبوعة ومصورة كانت وسيلة اتصال مفضلة في لحظات معينة من التاريخ مثلما كانت في الحرب العالمية الأولى وفي الثورة المكسيكية وفي ثورة أكتوبر الروسية وفي فترات تغيير مختلفة بالصين. ورغم تعدد وسائل الاتصال اليوم تبقى الملصقات ذات تأثير معترف به في عدد كبير من البلدان في العالم وتستخدم في العادة لأغراض سياسية أو اقتصادية أو ثقافية وفي الغالب الأعم تستخدم للأغراض الانتخابية.
وبالإضافة إلى ذلك فإننا نلحظ الاهتمام الواسع بالصورة الثابتة (Diapo), فرغم ما تثيره الصورة المتحركة التي ترد عبر السينما أو التلفزيون من استهواء فوري, فان الصورة الثابتة لم تفقد شيئا من أهميتها على نحو ما يشهد به استعمالها الواسع والمتنوع في إعلانات الحائط والملصقات والجرائد والمجلات والكتب الخ …إن جهاز الراديو حينما ظهر وأنتشر لم يقض ـ هو أيضا ـ على الصحافة المكتوبة التي سبقته بحوالي قرن أو أزيد، بل كيفت هذه الأخيرة نفسها لمواجهة  منافسها الجديد. فأصبحت الصحف تهتم بنشر الصور والرسوم الكاريكاتورية وضعفت من حجم الأخبار والتعليقات واستعانت بالألوان وزادت في رقم سحبها. ولقد اتضح أن الاستماع إلى الراديو لا ينافس بالضرورة عادة القراءة الصحفية ولكنه يعتبر مكملا لها. كما أن اختراع الكاسيت والمسجل المغناطيسي لم يقضيا على جهاز الراديو حيث تختلف وظيفة كل وسيلة وما تشبعه من احتياجات لدى الجمهور المتلقي. كما لم يقض جهاز التلفزيون عند ظهوره بعد الحرب العالمية الثانية  على صناعة السينما التي يرجع تاريخ ظهورها إلى أواخر القرن التاسع عشر, وإنما استفاد التلفزيون من الإنتاج السينمائي ـ حيث كما هو معروف ـ لا تخلو محطة تلفزيونية في أية دولة من العالم من تقديم فيلم سينمائي (أو أكثر) كفقرة مستقلة أو ضمن البرمجة العامة.
ولقد استعان التلفزيون في بدايته بالخبرة السينمائية من مصورين ومخرجين وكتاب سيناريو. كما حرصت السينما من جهتها على تطوير نفسها من الناحية الفنية لمواجهة المنافس الذي ظهر لها بعد أن استحوذت على الجمهور لما يقرب من أربعين عاما انفردت به خلالها كوسيلة سمعية بصرية قبل ظهور التلفزيون. فتعـددت طرق التصوير والعرض السينمائي وتعددت مقاسات الأفلام فأصبح ما يعرف بسينما سكوب  والبنافزيون  والسينرامـا  والسينما الصغيرة, ولجأت إلى تناول الموضوعات والمضامين التي لا يستطيع التلفزيون تناولها باعتباره وسيلة عائلية تحكمها اعتبارات خاصة. وبقيت مع كل ذلك علاقة السينما بالتلفزيون لا يشوبها أي تنافر إلى غاية ظهور الفيديو والبث التلفزيوني الفضائي, أين بدأت هذه العلاقة تتلاشى وتتصدع تدريجيا ليسودها نوع من التنافر. إذ من هنا لم تعد السينما (كوسيلة اتصالية) تملك نفس المكانة التي كانت عليها في السابق, بفعل ما للفيديو والقنوات الفضائية من مزايا تقلل من أتعاب الذهاب إلى  قاعات العرض السينمائي.
وبظهور التلفزيون بعد الحرب العالمية الثانية, كيفت الصحف المطبوعة ـ بدورها ـ نفسها لمواجهة هذا المنافس الجديد. ولكن الملاحظ لتلك الفترة الزمنية يستدرك الأزمة التي عاشتها الصحافة المكتوبة من جراء ظهور هذه الوسيلة السمعية البصرية والتي اعتمدت على نفس  أساليب الصحافة المكتوبة ولكن بأكثر مرونة وبأسرع وقت, أضف إلى ذلك إغراءات الصورة والصوت والحركة.  فقد كان عدد الصحف في أمريكا 850 صحيفة سنة 1880 ثم ارتفع هذا العدد إلى 2200 صحيفة سنة 1910 ثم تقلص بصفة تدريجية ووصل إلى 1750 في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية واستقر إلى يومنا هذا, كما اندثرت العديد من المجلات وبعض وكالات الأنباء الناشئة في الغرب. ولقد أظهرت العديد من الدراسـات الإعلامية الـتي تناولت الوسائل السمعية البصرية وعلاقتها بالمطبوع في أن بظهور التلفزيون تقلص حجم القراءة للجرائد والكتب. يقول “هاملت واغنر” أحد رواد المدرسة الظاهراتية في علم الاجتماع أن الحظ ساعده على مطالعة النصوص المكتوبة أثناء صغره ذلك أن عائلته لم تكن تمتلك جهاز تلفزيون وهو يأسف على واقع أن جيل أحفاده فقد الكثير من عوائد القراءة والمطالعة وأصبح جد مرتبطا بالإعلام السمعي البصري. وهي النتيجة التي توصل إليها  “ويلبير شرام”  في الستينيات من القرن الماضي الذي وجد أن متوسط الوقت الذي يخصصه المشاهد لمتابعة التلفزيون يقتطع عادة من الزمن المخصص لكل وسائل التثقيف الأخرى, ونتيجة لهذا التعديل ينخفض الزمن المخصص لثلاث وسائل هامة وهي: السينما, سماع الراديو والقراءة والمطالعة.
وقد تحدث ماك لوهان عن هذه المواجهة بين وسائل الاتصال, بأنها ليست بالشيء الحديث وإنما أخذت طابعـا خاصا لها في الستينيات من القرن الماضي (ق 20) عندما قدم بعض الأطروحات عن الأثر الذي يمكن أن تحدثه الصحافة الإلكترونية على أنماط التفكير والسلوك لدى جيل هذه الوسائل. ويرى هذا الباحث أن كل متغير إعلامي حديث النشأة يحدث ارتباكا في محيطنا النفسي ويفرض علينا نمطا خاصا من التصور والتفكير. كما اعتبر أن اللغة المكتوبة (الباردة) التي أصبحت جماهيرية بفعل دخول الطباعة كانت الحزام الذي تنتقل عبره الثقافة من جيل إلى آخر. وقد أحدثت الوسائل السمعية البصرية ارتباكا في بعض العادات والأنماط التي كرسها المكتوب (المطبوع) في المجتمع سابقا, وأعادت بناء أنماط ثقافية أخرى هشة تقوم على الأحادية في التفكير والتصور وعلى الامتثالية والسكون لدى المشاهد ….
ولا شك في أن وسائل الإعلام الحديثة قد غيرت في عـادات القـراءة.
فالبرامج التلفزيونية مثلا، يمكن أن تنقل معظم المعارف التي ينقلها الكتاب. فهي تستعمل الصورة وبإمكانها أن تستعمل الحرف المكتوب كذلك, وهي تستعمل الصوت. ولكن البرنامج التلفزيوني يخضع لعالم المكان والزمان. فلا يمكن مشاهدة التلفزيون في أي مكان كان, ولا في أي لحظة. وهذه عوائق لا نجدها في الكتاب. إلا أن التلفزيون أقرب إلى فهم المشاهد وقلبه. فالبرنامج التلفزيوني يخاطب العين والقلب و الأذن قبل أن يخاطب العقل, وهو يخاطب لغة الحواس “النظر والسمع” قبل أن يلج إلى الفكر. لذلك نجد أن الإقبال على مشاهدة التلفزيون بهذه الكثافة الكبيرة يتأتى من هذه السهولة في دخول عالمه. أما الكتاب فإنه يستعمل الرموز المكتوبة, وهي رموز تجريدية تتطلب من القارئ شيئا من الجهد والمشاركة. يقول المفكر الإيطالي (أمبرتو ايكو): القراءة عملية تتطلب جهدا خاصا, فالنص المكتوب آلة كسولة تتطلب من القارئ جهدا كبيرا وتعاونا متواصلا لملء الفراغات ولجلب التذكارات الموجودة في النص
وينبغي الإشارة بأن القراءة أنواع, فهناك من الناس من يقرأ للمعرفة والإطلاع على ما يجري في محيطه وفي العالم, وهؤلاء هم قراء الجرائد. فالجريدة تقع في مرحلة وسطى بين الكتاب والتقرير العلمي. أما الكتاب فهو متخصص ببحث في موضوع معين ويتوجه لقارئ معين ويتصف إجمالا بأنه أكثر عمقا. في حين أن الصحيفة تتوجه إلى شريحة أكبر من جمهور القراء وتقدم مواضيع أقل عمقا وأشمل وأكثر تنوعا مما يقدمه الكتاب. وهناك أيضا من يقرأ للذة القراءة. يتحدث المفكر الفرنسي رولان بارت (Roland Barth) عن نوعين من التعامل مع النص في هذا المجال. قد يجد القارئ اللذة والمتعة فيما يقرأه وهذا هو النوع الأول من التعامل مع النص، أما النوع الثاني وهو أن يجد القارئ في القراءة وسيلة يبتعد فيها عن الواقع الذي يعيش فيه ليتعرف على عالم المكنونات. وهناك نوع آخر من القراءة يكون فيها القارئ إما إيجابيا ومشاركا في النص أو سلبيا ممتثلا ومتلقيا فقط.
وعلى الرغم مما يقال بأن الوسائل السمعية البصرية أو الميديا قد أثرت على عادات القراءة والمطالعة, فإن هناك عدة تجارب أثبتت عكس ذلك تماما. وهو ما نلمسه من البرنامج التلفزيوني الفرنسي أبوستروف (Apostrophe) الذي يستضيف المؤلفين والكتاب والمشاهير لمناقشة بعض الكتب التي تظهر حديثا في الأسواق, إذ يفتح هذا البرنامج شهية القارئ للقراءة والمطالعة. ووجد أن الكتب التي تطرح للنقاش في الحصة تنفذ بعد أيام من الأسواق.
ليس ثمة مقولة اتصالية  أكثر إثارة للجدل من مقولة التأثير،فيما يخص هذه القضية، أي تأثير  الصورة في المطبوع أو النص الفائق الالكتروني على النص الكلاسيكي وذلك لأن تأثير الوسيلة عموما مسألة مرتبطة بالعديد من العوامل المتداخلة و المترابطة. أبرزها الخصائص التكنولوجية للوسيلة وظروف التعرض لها, ونوعية الموضوع المعالج و العوامل الوسيطية الفردية والجمعية : موقف المتلقي, أفكاره, قيمه, عاداته, تقاليده, مزاجه, خبراته, درجة اهتمامه …الخ.
ولذلك فقد اتضح في العديد من الدراسات أن عوامل الامتناع أو الإحجام عن القراءة والمطالعة لا يعود بالدرجة الأولى إلى عامل المشاهدة التلفزيونية أو كثرة استخدام الانترنت ، أي أن المشاهدة التلفزيونية أو تصفح الويب ليست هي العوامل الرئيسة وراء الإحجام عن القراءة الكلاسيكية, بل هناك عوامل أخرى متداخلة تقف حائلا وراء القراءة. ففي دراسة سابقة لأحد الباحثين أجاب بعض من أفراد العينة الذين  ليس لهم ارتباط بالمطالعة  أن سبب الإحجام عن المطالعة الكلاسيكية يعود لعوامل أخرى كقولهم على سبيل المثال: غياب الكتاب المتخصص, غلاء سعره, لست من قراء الجرائد, المطالعة ليست هوايتي, لم أقرأ منذ مدة طويلة الخ. وكلها عوامل فردية ليست بالضرورة  لها علاقة بتأثير برامج التلفزيون أو الفضائيات أو الانترنت. أما الذين أجابوا بأن سبب أحجامهم عن القراءة الكلاسيكية هو الاكتفاء بمشاهدة برامج الفضائيات وتصفح الانترنت فعددهم قليل جدا فهم ـ ربما ـ الفئة التي يمكن القول أن تأثير برامج الفضائيات والانترنت عليها كان هو السبب الرئيسي وراء أحجامها عن القراءة الكلاسيكية.
إن تداخل الأزمنة الإعلامية (زمن القراءة وزمن الاستماع وزمن المشاهدة وزمن الإبحار حول الشبكة العنكابوتية) تداخل طبيعي ويساعد على إثراء القراءة والزيادة في المعرفة ، أما قول أحدهم أن القراءة الكلاسيكية ستقضي نحبها في ظل تنامي ظاهرة النص الفائق الإلكتروني هو قول مردود على أصحابه، ذلك أن  القراءة الكلاسيكية اتضح أنها هي التي تساهم في التراكم المعرفي والحضاري للمجتمعات ، بينما النص الفائق الإلكتروني امتداد فقط أو تطور للكلاسيكي أدى إلى خلخلة القراءة العادية ولم يقض عليها البتة . نقول في الأخير كما قال روبير اسكاربيت : الكلمة تضيع أما الكتابة فتبقى وقد مكنت الكتابة للكلمة الالكترونية الفائقة من أن تقهر المكان ومكنها الكتاب ( النص الكلاسيكي )  من أن يقهر الزمان .
* أكاديمي وكاتب ، له عديد المؤلفات ، متعاون مع الموقع .كلية الاتصال ـ جامعة الشارقة ـ الإمارات العربية المتحدة

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق