الأربعاء، 12 أكتوبر 2011

هل القراءة الكلاسيكية ستقضي نحبها في عصر الصورة والنص الفائق الإلكتروني ؟


بقلم: د. نصير بوعلي *

هل أدت حركة الصورة وتلاحق اكتشافاتها  على المستوى العلمي ومخترعاتها  وأثرها على الإنسان إلى ضعف وانحصار في المجال  المكتوب ؟ فقد ظهر التلفزيون وقيل سيتوقف الكتاب والآن مع ظهور الإنترنت والنص الفائق يقال نفس الكلام، فكلما ظهرت وسيلة تهتم بمجال الصورة تداعى الكلام إلى المكتوب. بالتأكيد يتأثر المكتوب كلما تطورت الصورة ، فوجود ميديا أخرى جديدة ومتنوعة ومبهرة وسهلة وبضغطة زر  تتحكم فيها ونحصل عليها ، وليس فيها ذلك العناء  الذي تبذله في الحصول على الكتاب . ورغم ما يقال فالقراءة مازالت ثابتة  ومازال الكتاب سيد الثقافة على الإطلاق ، ولعل العودة إلى الوراء لفحص هذه العلاقة بين المقروء والصورة يبين كيف أن الكتاب يخرج دائما منتصرا بخبرته في التدوين والتخزين والقراءة الدالة على أي جديد يقوم باضطهاد العين .
إن المتتبع لتاريخ وسائل الاتصال وتطورها يجد أنه رغم تعددها وملاحقتها الدائمة والمستمرة للتقدم التكنولوجي فان اختراع إحداها وظهورها في الأسواق وتداولها بين الناس لم يقض بالضرورة على الوسائل السابقة لها. ويبدو واضحا أكثر هذا التكامل في الوسائل التقليدية للاتصال مقارنة بالوسائل الحديثة و المعاصرة والتي يبدو أنها بقدر ما تتكامل، تتنافر أيضا على مستويات أخرى كعادات التعرض لها من قبل الجمهور أو ما يسمى مساحات الاستخدام. ولنأخذ من وسائل الاتصال التقليدية الأمثلة الآتية :
إن الملصقات سواء أكانت مكتوبة باليد أو مطبوعة ومصورة كانت وسيلة اتصال مفضلة في لحظات معينة من التاريخ مثلما كانت في الحرب العالمية الأولى وفي الثورة المكسيكية وفي ثورة أكتوبر الروسية وفي فترات تغيير مختلفة بالصين. ورغم تعدد وسائل الاتصال اليوم تبقى الملصقات ذات تأثير معترف به في عدد كبير من البلدان في العالم وتستخدم في العادة لأغراض سياسية أو اقتصادية أو ثقافية وفي الغالب الأعم تستخدم للأغراض الانتخابية.
وبالإضافة إلى ذلك فإننا نلحظ الاهتمام الواسع بالصورة الثابتة (Diapo), فرغم ما تثيره الصورة المتحركة التي ترد عبر السينما أو التلفزيون من استهواء فوري, فان الصورة الثابتة لم تفقد شيئا من أهميتها على نحو ما يشهد به استعمالها الواسع والمتنوع في إعلانات الحائط والملصقات والجرائد والمجلات والكتب الخ …إن جهاز الراديو حينما ظهر وأنتشر لم يقض ـ هو أيضا ـ على الصحافة المكتوبة التي سبقته بحوالي قرن أو أزيد، بل كيفت هذه الأخيرة نفسها لمواجهة  منافسها الجديد. فأصبحت الصحف تهتم بنشر الصور والرسوم الكاريكاتورية وضعفت من حجم الأخبار والتعليقات واستعانت بالألوان وزادت في رقم سحبها. ولقد اتضح أن الاستماع إلى الراديو لا ينافس بالضرورة عادة القراءة الصحفية ولكنه يعتبر مكملا لها. كما أن اختراع الكاسيت والمسجل المغناطيسي لم يقضيا على جهاز الراديو حيث تختلف وظيفة كل وسيلة وما تشبعه من احتياجات لدى الجمهور المتلقي. كما لم يقض جهاز التلفزيون عند ظهوره بعد الحرب العالمية الثانية  على صناعة السينما التي يرجع تاريخ ظهورها إلى أواخر القرن التاسع عشر, وإنما استفاد التلفزيون من الإنتاج السينمائي ـ حيث كما هو معروف ـ لا تخلو محطة تلفزيونية في أية دولة من العالم من تقديم فيلم سينمائي (أو أكثر) كفقرة مستقلة أو ضمن البرمجة العامة.
ولقد استعان التلفزيون في بدايته بالخبرة السينمائية من مصورين ومخرجين وكتاب سيناريو. كما حرصت السينما من جهتها على تطوير نفسها من الناحية الفنية لمواجهة المنافس الذي ظهر لها بعد أن استحوذت على الجمهور لما يقرب من أربعين عاما انفردت به خلالها كوسيلة سمعية بصرية قبل ظهور التلفزيون. فتعـددت طرق التصوير والعرض السينمائي وتعددت مقاسات الأفلام فأصبح ما يعرف بسينما سكوب  والبنافزيون  والسينرامـا  والسينما الصغيرة, ولجأت إلى تناول الموضوعات والمضامين التي لا يستطيع التلفزيون تناولها باعتباره وسيلة عائلية تحكمها اعتبارات خاصة. وبقيت مع كل ذلك علاقة السينما بالتلفزيون لا يشوبها أي تنافر إلى غاية ظهور الفيديو والبث التلفزيوني الفضائي, أين بدأت هذه العلاقة تتلاشى وتتصدع تدريجيا ليسودها نوع من التنافر. إذ من هنا لم تعد السينما (كوسيلة اتصالية) تملك نفس المكانة التي كانت عليها في السابق, بفعل ما للفيديو والقنوات الفضائية من مزايا تقلل من أتعاب الذهاب إلى  قاعات العرض السينمائي.
وبظهور التلفزيون بعد الحرب العالمية الثانية, كيفت الصحف المطبوعة ـ بدورها ـ نفسها لمواجهة هذا المنافس الجديد. ولكن الملاحظ لتلك الفترة الزمنية يستدرك الأزمة التي عاشتها الصحافة المكتوبة من جراء ظهور هذه الوسيلة السمعية البصرية والتي اعتمدت على نفس  أساليب الصحافة المكتوبة ولكن بأكثر مرونة وبأسرع وقت, أضف إلى ذلك إغراءات الصورة والصوت والحركة.  فقد كان عدد الصحف في أمريكا 850 صحيفة سنة 1880 ثم ارتفع هذا العدد إلى 2200 صحيفة سنة 1910 ثم تقلص بصفة تدريجية ووصل إلى 1750 في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية واستقر إلى يومنا هذا, كما اندثرت العديد من المجلات وبعض وكالات الأنباء الناشئة في الغرب. ولقد أظهرت العديد من الدراسـات الإعلامية الـتي تناولت الوسائل السمعية البصرية وعلاقتها بالمطبوع في أن بظهور التلفزيون تقلص حجم القراءة للجرائد والكتب. يقول “هاملت واغنر” أحد رواد المدرسة الظاهراتية في علم الاجتماع أن الحظ ساعده على مطالعة النصوص المكتوبة أثناء صغره ذلك أن عائلته لم تكن تمتلك جهاز تلفزيون وهو يأسف على واقع أن جيل أحفاده فقد الكثير من عوائد القراءة والمطالعة وأصبح جد مرتبطا بالإعلام السمعي البصري. وهي النتيجة التي توصل إليها  “ويلبير شرام”  في الستينيات من القرن الماضي الذي وجد أن متوسط الوقت الذي يخصصه المشاهد لمتابعة التلفزيون يقتطع عادة من الزمن المخصص لكل وسائل التثقيف الأخرى, ونتيجة لهذا التعديل ينخفض الزمن المخصص لثلاث وسائل هامة وهي: السينما, سماع الراديو والقراءة والمطالعة.
وقد تحدث ماك لوهان عن هذه المواجهة بين وسائل الاتصال, بأنها ليست بالشيء الحديث وإنما أخذت طابعـا خاصا لها في الستينيات من القرن الماضي (ق 20) عندما قدم بعض الأطروحات عن الأثر الذي يمكن أن تحدثه الصحافة الإلكترونية على أنماط التفكير والسلوك لدى جيل هذه الوسائل. ويرى هذا الباحث أن كل متغير إعلامي حديث النشأة يحدث ارتباكا في محيطنا النفسي ويفرض علينا نمطا خاصا من التصور والتفكير. كما اعتبر أن اللغة المكتوبة (الباردة) التي أصبحت جماهيرية بفعل دخول الطباعة كانت الحزام الذي تنتقل عبره الثقافة من جيل إلى آخر. وقد أحدثت الوسائل السمعية البصرية ارتباكا في بعض العادات والأنماط التي كرسها المكتوب (المطبوع) في المجتمع سابقا, وأعادت بناء أنماط ثقافية أخرى هشة تقوم على الأحادية في التفكير والتصور وعلى الامتثالية والسكون لدى المشاهد ….
ولا شك في أن وسائل الإعلام الحديثة قد غيرت في عـادات القـراءة.
فالبرامج التلفزيونية مثلا، يمكن أن تنقل معظم المعارف التي ينقلها الكتاب. فهي تستعمل الصورة وبإمكانها أن تستعمل الحرف المكتوب كذلك, وهي تستعمل الصوت. ولكن البرنامج التلفزيوني يخضع لعالم المكان والزمان. فلا يمكن مشاهدة التلفزيون في أي مكان كان, ولا في أي لحظة. وهذه عوائق لا نجدها في الكتاب. إلا أن التلفزيون أقرب إلى فهم المشاهد وقلبه. فالبرنامج التلفزيوني يخاطب العين والقلب و الأذن قبل أن يخاطب العقل, وهو يخاطب لغة الحواس “النظر والسمع” قبل أن يلج إلى الفكر. لذلك نجد أن الإقبال على مشاهدة التلفزيون بهذه الكثافة الكبيرة يتأتى من هذه السهولة في دخول عالمه. أما الكتاب فإنه يستعمل الرموز المكتوبة, وهي رموز تجريدية تتطلب من القارئ شيئا من الجهد والمشاركة. يقول المفكر الإيطالي (أمبرتو ايكو): القراءة عملية تتطلب جهدا خاصا, فالنص المكتوب آلة كسولة تتطلب من القارئ جهدا كبيرا وتعاونا متواصلا لملء الفراغات ولجلب التذكارات الموجودة في النص
وينبغي الإشارة بأن القراءة أنواع, فهناك من الناس من يقرأ للمعرفة والإطلاع على ما يجري في محيطه وفي العالم, وهؤلاء هم قراء الجرائد. فالجريدة تقع في مرحلة وسطى بين الكتاب والتقرير العلمي. أما الكتاب فهو متخصص ببحث في موضوع معين ويتوجه لقارئ معين ويتصف إجمالا بأنه أكثر عمقا. في حين أن الصحيفة تتوجه إلى شريحة أكبر من جمهور القراء وتقدم مواضيع أقل عمقا وأشمل وأكثر تنوعا مما يقدمه الكتاب. وهناك أيضا من يقرأ للذة القراءة. يتحدث المفكر الفرنسي رولان بارت (Roland Barth) عن نوعين من التعامل مع النص في هذا المجال. قد يجد القارئ اللذة والمتعة فيما يقرأه وهذا هو النوع الأول من التعامل مع النص، أما النوع الثاني وهو أن يجد القارئ في القراءة وسيلة يبتعد فيها عن الواقع الذي يعيش فيه ليتعرف على عالم المكنونات. وهناك نوع آخر من القراءة يكون فيها القارئ إما إيجابيا ومشاركا في النص أو سلبيا ممتثلا ومتلقيا فقط.
وعلى الرغم مما يقال بأن الوسائل السمعية البصرية أو الميديا قد أثرت على عادات القراءة والمطالعة, فإن هناك عدة تجارب أثبتت عكس ذلك تماما. وهو ما نلمسه من البرنامج التلفزيوني الفرنسي أبوستروف (Apostrophe) الذي يستضيف المؤلفين والكتاب والمشاهير لمناقشة بعض الكتب التي تظهر حديثا في الأسواق, إذ يفتح هذا البرنامج شهية القارئ للقراءة والمطالعة. ووجد أن الكتب التي تطرح للنقاش في الحصة تنفذ بعد أيام من الأسواق.
ليس ثمة مقولة اتصالية  أكثر إثارة للجدل من مقولة التأثير،فيما يخص هذه القضية، أي تأثير  الصورة في المطبوع أو النص الفائق الالكتروني على النص الكلاسيكي وذلك لأن تأثير الوسيلة عموما مسألة مرتبطة بالعديد من العوامل المتداخلة و المترابطة. أبرزها الخصائص التكنولوجية للوسيلة وظروف التعرض لها, ونوعية الموضوع المعالج و العوامل الوسيطية الفردية والجمعية : موقف المتلقي, أفكاره, قيمه, عاداته, تقاليده, مزاجه, خبراته, درجة اهتمامه …الخ.
ولذلك فقد اتضح في العديد من الدراسات أن عوامل الامتناع أو الإحجام عن القراءة والمطالعة لا يعود بالدرجة الأولى إلى عامل المشاهدة التلفزيونية أو كثرة استخدام الانترنت ، أي أن المشاهدة التلفزيونية أو تصفح الويب ليست هي العوامل الرئيسة وراء الإحجام عن القراءة الكلاسيكية, بل هناك عوامل أخرى متداخلة تقف حائلا وراء القراءة. ففي دراسة سابقة لأحد الباحثين أجاب بعض من أفراد العينة الذين  ليس لهم ارتباط بالمطالعة  أن سبب الإحجام عن المطالعة الكلاسيكية يعود لعوامل أخرى كقولهم على سبيل المثال: غياب الكتاب المتخصص, غلاء سعره, لست من قراء الجرائد, المطالعة ليست هوايتي, لم أقرأ منذ مدة طويلة الخ. وكلها عوامل فردية ليست بالضرورة  لها علاقة بتأثير برامج التلفزيون أو الفضائيات أو الانترنت. أما الذين أجابوا بأن سبب أحجامهم عن القراءة الكلاسيكية هو الاكتفاء بمشاهدة برامج الفضائيات وتصفح الانترنت فعددهم قليل جدا فهم ـ ربما ـ الفئة التي يمكن القول أن تأثير برامج الفضائيات والانترنت عليها كان هو السبب الرئيسي وراء أحجامها عن القراءة الكلاسيكية.
إن تداخل الأزمنة الإعلامية (زمن القراءة وزمن الاستماع وزمن المشاهدة وزمن الإبحار حول الشبكة العنكابوتية) تداخل طبيعي ويساعد على إثراء القراءة والزيادة في المعرفة ، أما قول أحدهم أن القراءة الكلاسيكية ستقضي نحبها في ظل تنامي ظاهرة النص الفائق الإلكتروني هو قول مردود على أصحابه، ذلك أن  القراءة الكلاسيكية اتضح أنها هي التي تساهم في التراكم المعرفي والحضاري للمجتمعات ، بينما النص الفائق الإلكتروني امتداد فقط أو تطور للكلاسيكي أدى إلى خلخلة القراءة العادية ولم يقض عليها البتة . نقول في الأخير كما قال روبير اسكاربيت : الكلمة تضيع أما الكتابة فتبقى وقد مكنت الكتابة للكلمة الالكترونية الفائقة من أن تقهر المكان ومكنها الكتاب ( النص الكلاسيكي )  من أن يقهر الزمان .
* أكاديمي وكاتب ، له عديد المؤلفات ، متعاون مع الموقع .كلية الاتصال ـ جامعة الشارقة ـ الإمارات العربية المتحدة

إنه عصر "الصورة" بحق!

قنبوس / نقلا عن : صحيفة أفق الإلكترونية

أصبحت الصورة في عصرنا المؤثّر الأساسي والحاسم في بلورة رأي عام حول قضيّة معيّنة، خصوصاً إذا ما وظّفت توظيفاً هادفاً. فالصورة هي إعادة إنتاج مطابق للواقع بحسب المفكّر الفرنسي رولان بارت، وهي حالة الذات عندما تواجه موضوعاً مباشراً. إذ يستحيل مثلاً، محو صورة تلك الفتاة الفيتنامية كيم بهوك التي كانت تركض عاريةً تماماً وجسدها يحترق عقب إلقاء طائرة فيتنامية جنوبية قنبلة نابالم حارقة مصنوعة من هلام الجازولين عن طريق الخطأ العام 1972. كما لا يمكننا أن ننسى صورة الطفل محمد الدرّة التي هزّت الوجدان العالمي وهو يحاول الاحتماء في حضن والده من رصاص الاحتلال خلال انتفاضة الأقصى. والشواهد التي خلّدتها الصورة كثيرة للغاية. فكيف يمكن أن يكون عليه الحال مع "الصورة" في عالم معولَم تهيمن فيه الصورة الضوئيّة التي واكبت الثورة الهائلة في تقنية المعلومات وفي طرق إيصال الأفكار والمعلومات؟ وماذا عن اليوتيوب الذي يعدّ حالياً أكبر موقع على شبكة الإنترنت وأكثرها شعبيّة، لكونه يسمح للمستخدمين برفع الأفلام والّلقطات والموسيقى التصويرية ومقاطع الفيديو ومشاهدتها بشكل مجاني، بحيث لا يقتصر استخدامه على الأفراد، بل يتعدّاهم إلى الشركات والأحزاب والحكومات وحتى الفضائيات الكبيرة؟
فكرة اليوتيوب ودخول غوغل
ولّدت تقنية اليوتيوب نمطاً جديداً من التفاعل مع المرئي من الأحداث وأسهمت إلى حدّ كبير في دعم الصناعات الفردية للأفلام القصيرة، خصوصاً في الدول التي لا تتوفّر فيها دور عرض وسينما. ثلاثة شبّان من خريجي الجامعات يقفون وراء هذا الابتكار المتفوّق، الثلاثة كانوا موظفين في موقع pay pal وهم تشاد هرلي، ستيفن تشين، جاويد كريم، قرّروا أن ينجزوا فكرتهم بكلفة متواضعة بدأت بـ 12 مليون دولار معظمها من أموال مستثمرين تحمّسوا للمشروع.
بدأت الفكرة عندما قام أحد الشبّان بتصوير مقاطع فيديو لمناسبة خاصة، وأراد المحتفلون أن ينشروا الصور بين زملائهم ولم يجدوا طريقة مناسبة، خصوصاً أن البريد الإلكتروني العادي لا يستوعب الملفات الكبيرة، فبدأت تتبلور فكرة موقع خاص برفع أفلام فيديو. وانطلقت البداية المتواضعة من داخل كاراج لتصليح السيارات، قبل أن ينتقل الشبّان لاحقاً إلى مكتب متطوّر ومن ثم إلى مركز قيادة منظّم عقب شراء شركة غوغل للموقع.
انطلق اليوتيوب في العام 2005، وفي غضون سنة واحدة أصبح واحداً من أكبر مواقع الشبكة الإلكترونية وأكثرها استقطاباً، وحظي بالمرتبة 5 عالمياً في "أليكسا"، بعد أن استقطب 100 مليون مشاهدة يومياً مع إضافة 65 مليون مقطع فيديو كلّ يوم.
استرعى المشروع اهتمام شركة غوغل العالميّة التي تقود ماكينات البحث على الشبكة الإلكترونية بصورة مذهلة، فأعلنت في العام 2006 عن شراء موقع اليوتيوب بمبلغ قدره 1.65 بليون دولار، وعقدت على أثره3اتفاقيات مع شركات ميديا ضخمة تقضي بعدم تعرّض اليوتيوب لشكاوى قضائية بخصوص حقوق النشر. وبموجب عملية البيع والشراء هذه، حصل المالكون الثلاثة والمستثمرون على مئات ملايين الدولارات، واعتُبر الأمر ثاني أكبر صفقة لغوغل (اشترت غوغل 46 مشروعاً لغاية الآن، من ضمنها شركة الإنترنت AOL الأميركية بمبلغ قدره 1 بليون دولار).
يدخل موقع اليوتيوب شهرياً 490 مليون زائر(غير مكرّر) من أنحاء العالم، وينتج عن هذه الزيارات عرض 92 مليار صفحة كلّ شهر. ويبلغ متوسط زيارة الفرد لليوتيوب15 مرّة في الشهر يقضي خلالها المستخدمون في كلّ مرّة 25 دقيقة، فيما يبلغ متوسط مدّة بقاء المستخدم على اليوتيوب 5 ساعات و50 دقيقة شهرياً(أقلّ من الفيس بوك)، ويصل مجموع ما يقضيه جميع زوار يوتيوب شهرياً إلى 2.9 مليار ساعة، أي ما يعادل 326,294 سنوياً.
يوجد حالياً على اليوتيوب أكثر من7 آلاف ساعة أفلام وبرامج تلفزيونيّة كاملة، ويفوق حجم محتوى الفيديو الذي يتمّ تحميله على يوتيوب في فترة 60 يوماً حجم محتوى الفيديو الذي قامت أكبر ثلاث شبكات تلفزيون في الولايات المتّحدة بإنتاجه على مدى 60 عاماً. وقد تمّ رفع أكثر من 13 مليون ساعة فيديو خلال العام 2010، بمعدل 35 ساعة فيديو كلّ دقيقة.
تتوزّع مراكز بيانات اليوتيوب على 25 بلداً بـ 43 لغة، و70% من كمية البيانات على اليوتيوب تأتي من خارج الولايات المتّحدة. تحتوي يوتيوب فيديو عالي الدقة HD أكثر من أي موقع على الإنترنت، لكن 10% فقط من إجمالي الفيديو المرفوع على اليوتيوب يتوفر بدقة عالية HD ويقوم المستخدمون بإضافة ملايين المقاطع إلى مفضلتهم يومياً، ويوجد مشغل فيديو اليوتيوب على أكثر من 10 ملايين موقع (عرض اليوتيوب على مواقع أخرى)، ويتمّ إرسال 400 رسالة على تويتر(تغريدة) كلّ دقيقة تحتوي على روابط من اليوتيوب، كما يتمّ استعراض صفحات نسخة الموبايل من اليوتيوب أكثر من 100 مليون مرّة يومياً. وفي العام 2009 تمّ تدشين قناة خاصة بالكونجرس الأميركي على اليوتيوب وأخرى خاصة بالرئيس باراك أوباما.
مراحل قطعها
تعرّض الموقع لإشكالات عديدة مع انطلاقته، وحصل تداخل ما بينه وبين موقع يحمل اسماً مماثلاً www.utube.com هو موقع لشركة أميركية، الأمر الذي تسبّب في مشكلات للشركة وكاد موقعها أن يتوقف بسبب اكتظاظ الزوار الواصلين عن طريق الخطأ، فتوجّهت الشركة إلى المحكمة مطالبة بتسجيلyoutube.com على اسمها؛ لكنّ المحكمة رفضت الدعوى بعد النظر في القضية.
تمّ حجب موقع اليوتيوب مع انطلاقته في دول عدّة لأسباب سياسية، ومن هذه الدول البرازيل، إيران، المغرب، تايلند، تركيا، الإمارات، السعودية. ولاحقاً رفعت بعض الدول الحجب الكامل عن الموقع وأصبحت تحجب مقاطع معيّنة.
أرباح اليوتيوب
كشف مؤسّسو الموقع أن الأرباح الشهرية وصلت إلى 15 مليون دولار من المردود الإعلاني على الموقع، وقد وقّعت اليوتيوب أكثر من 10 آلاف عقد شراكة إعلانات حتى الآن، ومن ضمن هذه الشركات: ديزني، ترنر، يونيفيجن وقناة4 و قناة5، في حين تقدّر أرباح شركاء يوتيوب بملايين الدولارات سنوياً،على الرغم من تراجع نسبة الإعلانات وتراجع الأرباح الشهرية الصافية إلى 12 مليون دولار، لكنّ هذا النموذج من المشاريع ليس ربحياً وإنما هو ابتكاراً، خصوصاً أن اليوتيوب أصبح من أكثر مواقع الإنترنت شهرة في العالم.
أصبح اليوتيوب يستقطب شرائح كبيرة من الشباب العربي، وتحوّل إلى مساحة حرّة للتعبير والإبداع، خصوصاً للسينمائيّين وفنونهم. وبحسب دراسة أجرتها الصحيفة الاقتصادية فإن السعوديين يشاهدون يومياً ما يزيد على 36 مليون مقطع فيديو على الموقع الشهير اليوتيوب بمعدل 150 مليون دقيقة يقضيها المستخدمون على الشبكة العنكبوتية. وأشار تقرير أصدرته غوغل في أواخر العام 2010 إلى أن معدلات تصفّح الإنترنت بالنسبة إلى شريحة واسعة من مستخدمي الإنترنت في السعودية فاقت مشاهدة التلفاز بمتوسط ساعتين يومياً، مبيّناً أن 97 % من استخدامات الإنترنت تتمّ في محرّك البحث غوغل، ومنها 45 % من العمليات تتمّ بالّلغة العربية، في حين يُجري المستخدمون في المملكة ما يزيد على ستة ملايين عملية بحث في الإنترنت عن طريق الجوال ما يهيئ بيئة استثمارية واعدة للتجارة الإلكترونية.
الاستهلاك الرقمي للسينما والغناء والموسيقى
في المقابل، أظهر التقرير العربي السنوي الثالث للتنمية الثقافية الذي تصدره مؤسّسة الفكر العربي، أن عدد عمليات البحث والتواصل مع المنتج السينمائي من قبل الجمهور العربي على الإنترنت بلغ 106 مليون و239 ألف و724 عملية بحث في المتوسط شهرياً خلال العام 2009. واستهدفت 40% من عمليات البحث التواصل مع السينما واستهلاكها. وقد احتلّت كلمة "تحميل أفلام" المركز الأول وبلغ معدل استخدامها من قبل الجمهور 39 مليوناً و926 ألفاً و200 مرّة في المتوسط شهرياً. ووصل متوسط عدد عمليات البحث بالّلغة العربية عن الغناء والطرب إلى 84 مليوناً و482 ألفاً و550 عملية شهرياً في العام 2009، وغلبت عروبة الأغنية على شبكة الإنترنت. وخصّص الجمهور مليوناً و706 آلاف و540 عملية بحث في المتوسط شهرياً من أجل الاستهلاك والتواصل مع أنواع من الموسيقى.
وفي ما يتعلق بالصور ومقاطع الفيديو، فإن عدد الصور التي تمّ حفظها في فلكر(flickr.com) في أكتوبر العام 2009 بلغ 4 مليارات صورة، وعدد الصور التي يتمّ حفظها شهرياً في فيسبوك (facebook.com) بلغ مليارين ونصف المليار صورة، وعدد مقاطع الفيديو التي تتمّ مشاهدتها يومياً في يوتيوب (youtube.com) حول العالم مليار مقطع، أما المواقع الأكثر زيارة فهو الموقع الشهير بالشبكات الاجتماعيةfacebook.com ، والذي حقّق 540 مليون زائر في شهر مايو من العام 2010 ، شاهدوا فيها 630 مليار صفحة.
لم تكن ثورة اليوتيوب إذن ثورةً تقنيّة وماديّة فقط، تحدّد إنجازها بتجاوز الصعوبات الكامنة في استخدام ملفّات الفيديو على الإنترنت(لجهة إدخال المواد وإنزالها لأصحاب المواقع والزوّار وكبر المساحة التي يقتضيها كلّ ذلك)؛ ثورة اليوتيوب هي بمثابة الثورة الشعبيّة لاستقطابها الجماهيري ولسماحها إلى حدّ كبير بتجاوز الرقابة الفكريّة في العالم العربي. لكنّها في المقابل، وفي سياق الصراع والهيمنة على الإعلام الإلكتروني والفضائي، عزّزت السباق على ترويج الأفلام الناطقة بالعربيّة، بحسب أيديولوجيّة كلّ من القوى المتصارعة.

غداً الدولة الفلسطينية، غداً، ودوماً غداً..

بقلم: ألين غريش Alain Gresh
عن صحيفة "لوموند ديبلوماتيك" (أكتوبر/ تشرين الأول 2011)






في العام 1948 ـ أما زال أحدٌ يذكر هذا التاريخ ؟ ـ ترددت الولايات المتحدة في الاعتراف بدولة إسرائيل. في العام 2011 لم تتردد قطّ في تعطيل انضمام الدولة الفلسطينية إلى الأمم المتحدة. هذا الفيتو الذي شجّعها عليه الاتحاد الأوروبي يهدف مرةً أخرى إلى "تأجيل" القرار والرهان على على مفاوضات ثنائية يعود سبب فشلها إلى ازدراء إسرائيل للقانون الدولي.ُ
منذ القدَم شغلت فكرَ المناطقة مفارقة طرحها الفيلسوف الإغريقي زينون الإيلي : هل يستطيع أخيل البطل صاحب "العرقوب" أن يسبق سلحفاة إن هو منحها مسافة مائة متر متقدّمة عنه ؟ يُجيب زينون بالنفي لأن بطل الإلياذة لن يقوى أبداً على تجاوز السلحفاة، فهو قد يقطع أولاً نصف المسافة التي تفصله عنها، ثم يقطع نصف النصف الباقي من المسافة، وهكذا يظلّ يقطع نصف المسافة الباقية إلى ما لا نهاية، من دون أن تنتهي المسافة الفاصلة بينهما (راجع الجزء الرابع من كتاب "الطبيعة" لأرسطو).
هذا السباق الماراتوني الذي لا نهاية له خاضته منظمة التحرير الفلسطينية في سعيها بحثاً عن دولة؛ كل مرحلة تجتازها تبدو أنها تقرّبها من الهدف المنشود. لكن يبقى على الدوام نصف المسافة التي عليها أن تقطعها لبلوغ الهدف، إذ يبقى هناك على الدوام شرطٌ إضافي عليها أن تُستجيب له، أو يبقى تنازل آخر عليها أن تقدّمه، وهكذا.. في العام 1999 أعلنت منظمة التحرير الفلسطينية أنها ستُقدِم على خطوة إعلان ولادة الدولة الفلسطينية في ختام الفترة الانتقالية المتمثلة بـ"الحكم الذاتي" للضفة والقطاع وفقاً لما نصّت عليه اتفاقيات أوسلو العام 1993. لكنها أجَّلت ذلك الإعلان تحت ضغط الولايات المتحدة الأميركية، لقاءَ إعلان الاتحاد الأوروبي في قمة برلين في آذار/ مارس 1999 "استعداده للاعتراف بدولة فلسطينية".
في آذار/ مارس 2002 أعلن مجلس الأمن تبنّيه قيام دولتين (إسرائيل وفلسطين) متعايشتين في المنطقة. في العام التالي أصدرت اللجنة الرباعية (الولايات المتحدة، الأمم المتحدة، اّلاتحاد الأوروبي وروسيا) "خريطة طريق" قضت بولادة دولة فلسطينية قبل نهاية العام 2005. بعد جمود المفاوضات دعا الرئيس بوش الابن إلى لقاء أنابوليس في نوفمبر/ تشرين الثاني 2007 (وهو أحد اللقاءات التي تحبّذها الأمم المتحدة، والتي يجلس فيها جنباً إلى جنب، فلسطينيون وإسرائيليون، سوريون ومصريون، روسيا وأوروبا..) صدر عنه بيان يرى أن ولادة الدولة يتكون في نهاية المطاف، في ختام العام 2008. وفي 23 سبتمبر/ أيلول 2010 أعرب الرئيس أوباما في خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة عن أمله في رؤية دولة فلسطينية تنضمّ إلى المنظمة الدولية في سبتمبر/ أيلول 2011. بعد سنة على ذلك الخطاب أعلن أوباما أنه سيرفع الفيتو في وجه ذلك الانضمام.
هذا المسلسل الطويل من الوعود التي لا تنتهي والتي لم يتحقق منها ولا حتى وعدٌ واحد، حمل القيادة الفلسطينية على التوجّه مباشرة إلى الأمم المتحدة والانسحاب من المفاوضات الثنائية "من دون شروط مسبقة" أي الحرة في وضع يُشبه الثعلب "الحر" الذي يُطبِق على قفص الدجاج "الحر" هو الآخر. بتوجّهها هذا، اعترفت القيادة الفلسطينية بفشل استراتيجيتها السابقة.
في العام 1969، إثر هزيمة العرب في حرب حظيران/ يونيو 1967 التي شنّتها إسرائيل على سوريا ومصر والأردن، واحتلّت فيها الجولان وسيناء وغزة والضفة الغربية والقدس الشرقية، أخذت حركات الكفاح المسلّح الفدائية قيادة منظمة التحرير الفلسطينية وأسقطت القيادة السابقة التي أفلست بتحالفها مع الأنظمة العربية. قام التوجّه الجديد لمنظمة التحرير على أسس ثلاثة: أولها، الكفاح المسلّح، وهو الأسلوب الأمثل في البلدان التي كانت تُعرَف في ذلك الوقت بـ"العالم الثالث"، حيث كان يجب "خلق فيتنام أخرى، بل فيتنامين، بل ثلاثة، بل فيتنامات كثيرة.." كما كان يقول أرنستو تشي غيفارا؛ وثانيها، تحرير فلسطين بأكملها (أي تدمير المؤسسات والبنى الصهيونية في إسرائيل عن بكرة أبيها) وإقامة دولة ديمقراطية يتعايش فيها المسلمون والمسيحيون واليهود؛ وثالثها، استقلال القيادة الفلسطينية عن الأنظمة العربية بخاصة.
التقدّم الكبير الذي أنجزته منظمة التحرير هو نجاحها في جمع شمل الفلسطينيين جميعاً تحت رايتها، من المهندس الفلسطيني الذي يعمل في الكويت إلى الفلاح الفلسطيني الذي يعيش في الجليل مروراً بالفلسطينيين اللاجئين في مخيم برج البراجنة في لبنان، ونجاحها في تعزيز تضامنهم الوطني وإعلان إرادتهم وعزمهم على الاستقلال. خلافاً لذلك، أدّى فشلُ النضال المسلّح، ورفضُ القسم الأكبر من الجماهير الإسرائيلية لحلم الدولة الديمقراطية الجامعة، ومعارضةُ بعض حلفاء منظمة التحرير، حتى في "معسكر الدول الاشتراكية"، لفكرة تدمير إسرائيل، أدّى إلى توجّه منظمة التحرير نحو اعتماد النهج الدبلوماسي.
كانت القيادة الفلسطينية قد سجّلت بعض النجاح في هذا الميدان، فهي لم تنجح في جعل فلسطين في لبّ الخريطة السياسية فحسب (فقد أفلحت في جعْل مصير الفلسطينيين غير محصور في مشكلة "لاجئين"، بل يرقى إلى حق شعب فلسطيني في تقرير مصيره) بل ندحت أيضاً في انتزاع اعتراف الدول العربية بكونها الممثل الوحيد للشعب الفلسطيني. وفي العام 1974 استُقبِل ياسر عرفات استقبال الأبطال في الجمعية العامة للأمم المتحدة، التي غدت منظمة التحرير عضواً مراقباً فيها.
بيد أن ذلك التقدّم كان يصطدم على الدوام بعقبتين اثنتين هما إسرائيل والولايات المتحدة اًلأميركية اللتين كانتا على الدوام ترفضان التحدّث إلى "منظمة إرهابية". وكان لا بدّ من انقضاء سنوات عدّة من المشاورات التي لا تنتهي، وكان لا بدّ، بخاصة، من انتفاضة الحجارة في ديسمبر/ كانون الأول 1987 لكي يبدو جليّاً للجميع أن الوضع القائم خطير، ولكي تبدأ بعض الأصوات في إسرائيل تنادي بضرورة العمل على الوصول إلى اتفاق.
في نوفمبر/ تشرين الثاني 1988 أعلن المجلس الوطني الفلسطيني ولادة الدولة الفلسطينية، ووافق على خطّة تقسيم فلسطين كما أقرّتها الجمعية العامة للأمم المتحدة في 29 نوفمبر/ تشرين الثاني 1947.
أكّد ياسر عرفات توجّهَ منظمة التحرير الجديد في خطاب ألقاه أمام الجمعية العامة التي انعقدت في جنيف في 13 ديسمبر/ كانون الأول 1988. لكن واشنطن لم تقتنع بنزايا المنظمة، وفي الأسبوع التالي تلا الرئيس عرفات إعلاناً كتبته الإدارة الأميركية وأمْلت عليه قراءته (مقابل وعد بأنها ستعتبر منظمة التحرير الفلسطينية طرفاً صالحاً للتحاور معه) ينصّ على تخلّي المنظمة عن الإرهاب، وقبولها بالقرار 242 (الذي يحظر على إسرائيل ضمّ الأراضي الني احتلّتها بالقوة) واعترافها بإسرائيل. حينئذٍ بدا أن صفحةً طُوِيَت وأخرى جديدة انفتحت باتفاقيات أوسلو والمصافحة الشهيرة بين اسحق رابين وياسر عرفات تحت عين الرئيس الأميركي بيل كلنتون.
تغيّرٌ استراتيجي
تبيّن بعد 18 سنة أن النهج الذي التزمه ياسر عرفات وصحبُه كان نهجاً عقيماً وطريقاً مسدوداً، إذ لم يقُم في الضفة الغربية والقدس أي سيادة فلسطينية، وارتفع عدد المستوطنين اليهود ليبلغ اليوم 300 ألف مستوطن بعدما كان عددهم 100 ألف في العام 1993، كما ارتفع عددهم في القدس من 150 ألفاً إلى 200 ألف. اختنق الاقتصاد، ونسيت التقارير التي تحدّثت عن ازدهار اقتصادي كبير ستشهده الأراضي الفلسطينية أن تُشير إلى أن الناتج المحلي للفرد هو أدنى مما كان عليه في العام 2000، وأن حفنةً فقط من الفلسطينيين تستفيد وحدها من هذا الوضع. كذلك، فرضت السلطة الفلسطينية التي تعاونت مع الاحتلال الإسرائيلي بنجاح كبير في مجال محاربة "َالإرهاب"، فرضت سلطةً قمعية تضاهي السلطات القمعية في الدول العربية الأخرى.
اقتصَّ الناخبون الفلسطينيون من المسؤولين عن ذلك الفشل فصوّتوا لحماس في العام 2006 قبل أن يُجهَض انتصارَهم "المجتمعُ الدولي" المساند لمحمود عباس. إلا أن حماس لم تضع بين يدي الفلسطينيين استراتيجية موثوقة؛ فقد طرحت الكفاح المسلّح، وبقيت فعاليتها في هذا الميدان هزيلةً كما كانت في زمنَ الفدائيين بعد العام 1967. ومنذ 3 سنوات تقريباً فرضت على جميع المنظمات الفلسطينية في غزة التزام اتفاقية عدم إطلاق النار مع إسرائيل. أما سلطتها القمعية فتحاكي سلطة محمود عباس.
دامت هذه الأزمة طويلاً بشبّث كل من حماس وفتح بالسلطة. غير أن اليقظة العربية غيّرت المعطيات؛ فسقوط النظامين التونسي والمصري، ثم تشدد تركيا حيال إسرائيل، أضعفا واشنطن وتل أبيب بحرمانهما حليفاً قوياً هو الرئيس المصري حسني مبارك، في حين أن الانتفاضة في سوريا أضعفت حماس (...).
في إسرائيل، على الرغم من التظاهرات المعارضة للنظام النيوليبرالي، فإن الإغلبية الساحقة من الإسرائيليين التي هالتها الانتفاضة الثانية، وأقلقتها دعاوة قادتها السياسية، أيَّدت موقف الحكومة الإسرائيلية المتصلّب، حتى أن نتنياهو بدا معتدلاً بإزاء وزير خارجيته أفيغدور ليبرمان. أما النائبة ورئيسة حزب العمال الجديدة شيلي ياشيموفيتش، فقد صرّحت مؤخراً أن مشروع المستوطنات "لم يكن جريمة ولا حتى خطيئة" لأن الحكومات العمالية هي نفسها التي كانت قد أطلقت ذلك المشروع (وهذا صحيح) ولأنه كان بالتالي"موضع توافق تام". وقد علّق هنري سييغمان، المدير السابق للمؤتمر اليهودي الأميركي على تلك التصريحات، بقوله: "فلنترك تلك الذريعة الغريبة التي تقضي بأن يكون التوافق بين لصوص مبرراً لسرقتهم. فإذا كانت مواقف كهذه يدافع عنها العماليون في إسرائيل اليوم، فكيف يمكن الاقتناع إذاّ بأن هناك بصيص أمل في السلام؟" (راجع مقالة هنري سييغمان في العدد الأخير من مجلة Foreign Policy ، سبتمبر 2011),
لماذا يرفض الإسرائيليون التوازن الحالي؟ يسود الأمن الضفة الغربية بفضل تعاون الفلسطينيين؛ وليس لعزل إسرائيل دولياً سوى نتائج ضعيفة ما دام التأييد الأميركي لها مستمراً، وما دام الاتحاد الأوروبي يصون امتيازاتها التجارية والاقتصادية والسياسية ويعمل على تعزيزها. وقد تمَّ مؤخَّراً قبول إسرائيل عضواً مراقباً في "المنظمة الأوروبية للأبحاث النووية" (CERN) مكافأة لها على امتلاكها 200 قنبلة نووية. لولا العقوبات الدولية على النظام العنصري في جنوب أفريقيا، ولولا عزله المتزايد دولياً، والتحرك الشعبي في الداخل، ولولا اكتُفِيَ بنوايا السكان البيض الطيبة وحدها، لما أمكن لجنزوب أفريقيا التخلّص من النظام العنصري.
إن عجز منظمة التحرير الفلسطينية عن الحصول على أي شيء بالمفاوضات، واضطراب الساحة العربية دفعا محمود عباس إلى التوجه نحو الأمم المتحدة لمخاطبتها مباشرة. إلا أن معنى هذا التوجه الأممي ما زال غير مفهوم: هل سيؤول إلى تغيير في الاستراتيجية، أم أنه لن يتعدّى المفاوضات ولكن بشروط أفضل بقليل؟
يبقى الشعب الفلسطيني على شكّه وحذره؛ وهو يعرف جيداً أنه سيظلّ بعد التصويت، وأياً كانت نتيجة هذا التصويت، يرزح تحت الاحتلال حتى ولو بقيت التهديدات الإسرائيلية والأميركية غير ذات صدقية؛ فهي ستُضعِف حليفها الفلسطيني الوحيد، وستعرّض للخطر التعاون الأمني بينهما والذي لا تفثيد منه إلا إسرائيل وحدها.
إذا استخدمت واشنطن حق الفيتو، فسيُضعِف ذلك مكانة الولايات المتحدة في المنطقة. وقد ذكر السفير السعودي السابق في السعودية تركي الفيصل، بأن ذلك "سيعجّل في نهاية العلاقات التاريخية بين الرياض وواشنطن"، (راجع "نيويورك تايمز" 11 سبتمبر 2011).
إن صفة الدولة المراقبة التي ظلّت سويسرا تتمتع بها حتى العام 2002 سيُفسِح في المجال أمام فلسطين لتصبح عضواً في محكمة العدل الدولية، كما في المحكمة الجزائية الدولية. ولئن كانت قرارات محكمة العدل لا تترتّب عليها نتائج مُلزِمة (كما حدث في العام 2004 حينما دانت هذه المحكمة جدار الفصل العنصري في إسرائيل، وبقي قرار الإدانة هذا حبراً على ورق) فإن قرارات المحكمة الجزائية يمكن لها أن تؤدّي إلى ملاحقة مسؤولين سياسيين وضباط وجنود عسكريين ومستوطنين إسرائيليين (بعضهم يحملون جنسيات وجوازات سفر فرنسية وأوروبية) بتهمة جرائم حرب (راجع: "إسرائيل وفلسطين بعد الأمم المتحدة..." في International Crisis Groupe 12 سبتمبر 2011).ذاهم
هذا بالتأكيد ما دفع ساركوزي إلى أن يطلب من الفلسطينيين الامتناع عن استخدام هذا الحق، كما طلب إليهم أن يستأنفوا المفاوضات من دون شروط مسبقة (على نحو ما تشتهي إسرائيل) واعداً إياهم بأن تُفضي تلك المفاوضات بعد سنة إلى نتائج مؤكدة، من دون أن يوضِح ما إذا كانت مهلة السنة هذه سيتمّ الالتزام بها، أم أنها ستكون كلاماً بكلام لتذهب مرةً أخرى أدراج الرياح.
أثبتت التجارب أن الفلسطينيين لن يخرجوا من هذا النفق المسدود، من دون أن يخلقوا توازن قوى مختلف يمكن لهم الوصول إليه عبْرَ اتحادهم واعتمادهم على الثورات العربية وعلى تعبئة الدعم من أجل الضغط على إسرائيل.

بداية


مرحبا بكم جميعا على هذه المدونة الجديدة في كل العوالم الجديدة
مدونة ليس لها مثيل تأتيكم بكل مفيد

دينية
ثقافية
تعليميه
الكترونية
اجتماعية
سياحية
اعلاميه
فنيه 
منوعة


قنبوس استكشف معنا رغبات النفوس